محمد طاهر الكردي

527

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ . وقال في حقه أيضا : إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . ويفهم من قوله : رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي ، أن إبراهيم عليه السلام هو الذي عمر مكة شرفها اللّه تعالى ، بإسكان بعض ذريته فيها امتثالا لأمره سبحانه وتعالى ، لا أنه أتى بهم للسياحة والنزهة ، فبلدة ليس بها أنيس ولا ماء ولا شجر ، لا يأتي الإنسان إليها للفسحة والاسترواح من بلاد الشام العامرة بالفواكه والثمار والخضرة والأنهار . كما يفهم من قوله : مِنْ ذُرِّيَّتِي ، أنه أسكن بعضهم بمكة ، وأما البعض الآخر ، فقد بقوا في بلدتهم الأصلية ولم يحضروا معه إلى مكة ، لأنه عليه السلام ، أحضر إلى مكة ابنه إسماعيل مع أمه هاجر فقط تنفيذا لرغبة زوجته سارة ، وامتثالا لأمر اللّه تعالى الذي أمره بالهجرة إلى مكة معهما . ويفهم صراحة من قوله : بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ أن مكة كلها كانت قفرا لا نبات فيها ولا ماء ، فليس المراد بالوادي هو مجرى السيل من شارع القشاشية الذي بقرب المسجد الحرام فقط ، كما يفهمه بعضهم ، بل المراد بعض مكة كلها من جميع الأطراف كما لا يخفى على المتأمل ، واللّه تعالى أعلم . فإبراهيم عليه الصلاة والسلام هو أول من أطلق على مكة كلمة " وادي " كما هو صريح في هذه الآية : بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ، فنسبة وادي إبراهيم إليه نسبة تشريف ، فإنه هو أول من أتى إليه وأسكن بعض ذريته فيه . ومعنى قوله : بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ أي في بدء الأمر ، وأصل الخلقة في عهد إبراهيم ومن قبل عهده ، فلا محل للاعتراض إن وجد فيما بعد ماء وزرع بالإنبات ، وإيصال الماء إليه وحفر الآبار ، ووجود البشر والسكان في الوادي ، يقتضي إشغال الأيدي العاملة بعمارته بالماء والزرع والبنيان ، كما هو سنة اللّه في خلقه . وبهذا المعنى ينتفي إشكال من يقول : كيف يقول : بواد غير ذي زرع ، بينما مكة اليوم وللّه الحمد فيها الزروع والبساتين .